الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
319
مختصر الامثل
يكفيكم ذلك لتحقيق النصر الساحق على جحافل المشركين المدججين بالسلاح ؟ نعم ، أيّها المسلمون لقد تحقق لكم ذلك في بدر نتيجة صبركم واستقامتكم ، واليوم يتحقق لكم ذلك أيضاً إذا أطعتم أوامر النبي ، وسرتم وفق تعليماته وصبرتم : « بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالفٍ مِّنَ الْمَلِكَةِ مُسَوّمِينَ » « 1 » . على أنّ نزول الملائكة هذا لن يكون هو العامل الأساسي لتحقيق هذا الإنتصار لكم بل النصر من عند اللَّه ، وليس نزول الملائكة إلّالتطمئن قلوبكم « وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » فهو العالم بسبل النصر ومفاتيح الظفر ، وهو القادر على تحقيقه . ثم إنّه سبحانه عقب هذه الآيات بقوله : « لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ » . لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ( 128 ) وقع بين المفسرين في تفسير هذه الآية كلام كثير ، إلّاأنّ ما هو مسلّم تقريباً هو أنّ الآية الحاضرة نزلت بعد معركة أحد وهي ترتبط بأحداث تلك المعركة ، والآيات السابقة تؤيد هذه الحقيقة أيضاً . يكون معنى الآية كالتالي : ليس لك حول مصيرهم شيء ، فإنّهم قد استحقوا العذاب بما فعلوه ، بل ذلك إلى اللَّه ، يعفو عنهم إن شاء أو يأخذهم بظلمهم . ولقد نقلت في تفسير الدر المنثور : إنّ هذه الآية أنزلت على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يوم أحد وقد جرح في وجهه وأصيب بعض رباعيته وفوق حاجبه فقال - وسالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه - : « كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربّهم » . فأنزل اللَّه الآية وأخبره تعالى فيها أنّه ليس إليه إلّاما امر به من تبليغ الرسالة ودعائهم إلى الهدى ، فهو ليس مسؤولًا عن هدايتهم إن لم يهتدوا ولم يستجيبوا لندائه . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 129 )
--> ( 1 ) « الفور » : السرعة التي تقلب المعادلات كما يفور القدر وتتقلب محتوياتها بسرعة .